محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

568

تفسير التابعين

سماع الموعظة حتى تشرب بها ، ولما فتح اللّه عليه بالعلم أثر فيه هذا الجانب حتى صاغ جل أساليبه ، ودفع بها في هذا المضمار . ومن الأسباب كذلك تمكن أصحاب هذه المدرسة من اللغة ، مما جعلهم يتأنقون في تدبيج عباراتهم ، وتخير الكلمات المعبرة ، والتفنن في الألفاظ الفصيحة المؤثرة ، فجاءت حكمهم ومواعظهم كالماء الزلال ، بل هي السحر الحلال ، فلم تقف عند الآذان ، بل ولجت القلوب بدون استئذان . هذه الأسباب وغيرها هي التي دفعت بهذه المدرسة إلى الجانب الوعظي ، فصار تفسيرها تغلب عليه هذه الصفة ، ودخل فيه أسلوب القص كذلك ، وتوسعت فيه توسعا ملحوظا ، فلم يقاربها في ذلك أحد ، ومع أن المكيين قد كان المروي عنهم في التفسير كثيرا ، إلا أن المروي عنهم في آيات الوعظ ليس كثيرا ، ثم إن منهجهم في صوغ عباراتهم لم يكن يضاهي منهج الوعظ عند المدرسة البصرية ، بل غلب على عباراتهم البيان الموجز في عبارة علمية معرفية أكثر منها جمالية عاطفية . ومن أمثلة ذلك ما ورد عن مجاهد في تفسير قوله تعالى : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً « 1 » قال : وأتوا به متشابها لونه مختلفا طعمه ، مثل الخيار من القثاء « 2 » . في حين أنه لما تناول الحسن هذه الآية بالتفسير قال فيها : ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه ؟ وإن ذلك ليس فيه رذل « 3 » . ومن ذلك ما جاء عن مجاهد في تفسير قوله سبحانه : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية ( 25 ) . ( 2 ) تفسير الطبري ( 1 / 390 ) 526 ، تفسير عبد الرزاق ( 1 / 41 ) ، وزاد المسير ( 1 / 53 ) ، وأورده السيوطي في الدر ، وعزاه إلى وكيع ، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن مجاهد به ( 1 / 96 ) ، وفتح القدير ( 1 / 55 ) . ( 3 ) تفسير الطبري ( 1 / 389 ) 520 ، وتفسير عبد الرزاق ( 1 / 40 ) ، وزاد المسير ( 1 / 53 ) ، وأورده السيوطي في الدر وعزاه إلى عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن الحسن به ( 1 / 96 ) .